جريدة القبس الكويتية

تاريخ: 31 يناير 2011 ص:24

 

كتب تغريد محمد القدسي : 

 

جميل ومحزن في الوقت نفسه ما حدث ويحدث في تونس الخضراء.

المحزن أن يصل الإنسان إلى قمة اليأس فيحرق نفسه، إما خلاصاً من وضعه المزري، وإما احتجاجاً على وضع بات من المستحيل تغييره، من دون التسبب في صدمة قوية تمثل «القشة التي قصمت ظهر البعير»! برأيي أن ذلك ما حدث في تونس الخضراء، عندما أقدم الشاب التونسي على حرق نفسه، طالباً الخلاص محتجا على وضع شائن لم يقو لا هو ولا غيره على تغييره، فجاء رد فعل الشارع التونسي احتجاجاً على وضعه أولاً وعلى احتجاجه ومغزى هذا الاحتجاج ثانياً. هذا الحرق الذي جاء معبراً عن قمة اليأس جعلني أتساءل: هل لليأس قمة؟ هل لليأس من منفس غير الخلاص عندما توصد الأبواب الواحد تلو الآخر؟

الجميل أن نرى الأرض التي أكرمتنا بأبي القاسي الشابي، الذي صدحت بأبياته كل نفس عربية أبية، تجود علينا بشعب شدا بها وترجمها لا قولاً فقط، وإنما فعلاً، وهكذا أخبرنا الشاعر التونسي العظيم والشعب التونسي الأبي أن إرادة الشعب أقوى من أي إرادة عندما تتحد وتتفق ليس فقط في البأس، وإنما في الألم وفي ما تصبو إليه. في الوقت الذي ينقسم السودان تثور تونس. ما نشهده إلى الآن ينبئ برغبة في التنظيف واجتثاث الفساد من جميع الأجهزة في عملية استئصال كاملة. أرجو أن يكون ذلك كله نابعاً من دراية بما حدث ويحدث، وأرجو أن يكون هناك اعتبار لأهمية الاستقطاب بدل الاستعداء حتى من أعوان النظام المخلوع، فالعفو عند المقدرة والتحرك إلى الأمام والدفع به سيأخذ معه الشوائب الصغيرة المتبقية فلا تعود ملحوظة.

وما يحدث في مصر ما هو إلا تتمة لما بدأه الشعب التونسي وما هو إلا تعبير عن حالة عدم الرضا العام في هذه الأمة المترامية الأطراف والمثقلة بالآلام والمطالب والتظلمات. قد يكون هذا القرن فرصتنا في هذا العالم العربي للتفاؤل والتمني، فبعد قسمة السودان جاءت ثورة تونس واحتجاجات مصر، كل هذا من دون شك ينبئ عن حاجات موجودة للناس تم تجاهلها والتغاضي عنها بما فيه الكفاية.

برشا برشا يا تونس، حتى إحقاق الحق والتقدم.

برشا برشا يا تونس حتى تصلوا إلى البناء الصحيح والصحي وتطهير المؤسسات من الشوائب والبقايا الملوثة.

برشا برشا يا تونس حتى يحق الحق لأهله وينعم الإنسان بموطنه بالعدل والرخاء والكرامة.

برشا برشا يا تونس ويا مصر ويا أمتنا العربية الأبية حتى الوصول إلى الحكم الصالح والعادل. الحكم الذي لو دام لغيركم ما وصل إليكم. وهكذا علنا ننجو من هذا العالم المعكوس الذي نعيشه!

 

د. تغريد محمد القدسي

Tagqudsi@gmail.com 

Link:  http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=672363&date=31012011