New article by dear Dr.Taghreed Al Qoudsi:

ما هذا يا أمة العرب؟

كتب تغريد محمد القدسي

هل تصدقون ما يجتاح أمة العرب من غليان؟ هل تصدقون أننا نعيش هذه الأيام التي بدأت جموع المظلومين والصابرين والحليمين والحالمين تنتفض؟ رغم قسوة وبشاعة المشاهد الدامية التي نشهدها، من ليبيا بالتحديد، فان اصرار الشعب الليبي على هذه الثورة لهو ابلغ برهان على مدى الصبر الذي صبره الليبيون ولوقت قارب نصف قرن، تحت حكم أحادي الشخص والتوجه والنظرة، ما يحدث ما هو الا برهان على أن شعب عمر المختار الذي قاتل أقسى الغزاة سيقاتل أقسى الطغاة. ارادة الشعب التي بدأت شرارتها في تونس ومن بلاد أبي القاسم الشابي امتدت لليبيا الآن. ارادة الشعب التي تثبت لنا يومياً أن ما من حاكم يمتلك بلاده لوحده ولنفسه، وانما الحقيقة والحق أن أي وطن انما هو ملك للشعب كما القائد، ملك للمحكوم كما الحاكم، وما شرعية الحاكم الا من تمثيله لقاعدة وسعها هو الضمان الوحيد لأحقية وأهلية تمثيل الحاكم للمحكوم.
كيف لحاكم أن يستمر وأهل بلاده يرونه ظالما ولا يستمع لهم ولا يعير احتياجاتهم اي آذان، الا كما يراها وبنظرة أحادية مريضة ومهووسة دفعت بأهل بلادها للبحث عن لقمة عيش في بلاد الله الواسعة رغم غنى بلادهم. هذا الظلم الذي لفظ أبناء الوطن بعيداً لعوالم عديدة ومتفرقة توفر الحدود الدنيا من الكرامة والعيش والأمان. ان تكرار هذا المشهد اللاذع في أكثر من مكان في هذا العالم العربي المترامي الأطراف جعل منا أمة تختص بتفريغ أوطانها من العقول وتصديرها لأوطان الآخرين.
هل تصدقون صبر الشعوب على حكام ظالمين وجائرين لعشرات السنين؟ حتى صدق هؤلاء الحكام أنفسهم ومن معهم من جموع المستفيدين والمهللين والمضللين، لدرجة أنهم استغربوا واستكثروا على هذه الشعوب صحوتها واستنكروها واعتبروا الشعوب مضللة أو منكرة للجميل! أي طغيان وعمى وانكار للحقيقة يعيشه هؤلاء الطغاة ومن لف حولهم؟
ولكن ما يثلج الصدر في هذه الانتفاضات، رغم فداحة الخسائر والآلام المصاحبة لها، والتي لا بد من دفعها على طريق الخلاص، هو أن الشعوب أخيراً امتلكت استحقاقاتها التي حرمت منها لوقت ليس بسيطا وكسرت حاجز الخوف. العالم الصغير الكبير الذي نعيشه فرض على الشعوب أن تقارن نفسها بالآخرين وتعي حقوقاً مبدئية سلبت منها لوقت ليس بقليل، ثم كان امتلاك هذا الفهم هو المتطلب الأساسي لأن تمتلك هذه الشعوب القدرة على التحرك ونبذ الخوف والتردد من المطالبة بما هو حق لهم وليس منة عليهم من أحد. ان وعي الناس بحقوقهم التي لا يمتلك أي شخص أخذها لهو أفضل انجاز نبدأ به القرن الواحد والعشرين. فالشعوب لم تعد خجلى من الاحساس بانتمائها، لا بل واستحقاق هذا الانتماء بما يحمله من معاني الحق والواجب كاملاً لا فصل فيه وبينه. أشكر ربي لأني عشت يوماً جعلني آملة بغد مشرق لأبنائي يعيشون فيه عالماً أفضل، غير العالم المعكوس الذي نعيشه.

د. تغريد محمد القدسي

http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=684136&date=13032011